محمد طاهر الكردي
335
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أما دعاء يوم عرفة فقد ذكرناه في غير هذا المحل ، وإليك ما جاء في كتابنا المذكور : يسن للحاج أن يكثر بعرفة من الدعاء والذكر والتلبية وقراءة القرآن والاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل ، وأفضل الدعاء ما رواه الترمذي وغيره ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير » . وفي كتاب الترمذي عن علي ، رضي اللّه عنه ، قال : « أكثر ما دعا به صلى اللّه عليه وسلم يوم عرفة في الموقف : اللّهم لك الحمد كالذي نقول ، وخيرا مما نقول ، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك ما بي ولك ربي تراثي ، اللّهم اني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر ، اللّهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح » . وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وسائر من أحسن إليه ، وسائر المسلمين الأحياء منهم والأموات ، وليحذر من التقصير في ذلك ، فإن يوم عرفة يوم عظيم قد لا يمكن تداركه ، وفيه تسكب العبرات وتقال العثرات وترتجى الطلبات ، فإنه لمجمع عظيم ، بل إنه أعظم المجامع على وجه الأرض ، كيف لا وقد اجتمع من المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها سائر الشعوب والأمم ، من مختلف الأجناس واللغات ، أتوا من كل فج عميق ووقفوا في يوم واحد ، في مكان واحد ، محرمين على هيئة واحدة ، وفي لحظة واحدة ، قد تركوا الأوطان والعمارات ، ووقفوا بصحراء عرفات يسكبون العبرات ، اختلط بعضهم ببعض ، لا فرق بين الأمير والحقير ، والغني والفقير والمالك والمملوك ، والأبيض والأسود ، شعارهم « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك » كل واحد لا يرجو ذلك اليوم غير اللّه ولا يطلب إلا رحمته ورضاه ، بخشوع وخضوع وذلة وافتقار ، مخلص له الدين ولو كره الكافرون ، حقا إنه لموقف عظيم ومحشر كبير وبرهان ساطع على عظمة اللّه تعالى وجلاله ، وأن الملك والملكوت للّه الواحد القهار ، وأنه جل شأنه يتجلى على عباده ذلك اليوم بالمغفرة والرحمة والعتق من النار ، ويباهي بهم الملائكة ، ففي صحيح مسلم : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه تعالى فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وأن يباهي بهم الملائكة يقول : ما أراد هؤلاء ؟ » .